السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
14
مفاتيح الأصول
الحال والماضي فإذا استعمل في أحدهما كان حقيقة في صورة ومجازا في أخرى كما هو شأن استعمال الكلي في أفراده أو موضوع لذات خاصّة وهي التي مبدؤها لم يزل عنها فيكون الموضوع له فردا خاصّا من أفراد ذلك المفهوم الكلي فإذا استعمل فيه أو في الفرد الآخر كان مجازا وتظهر الثمرة فيما إذا قال الشارع أكرم العلماء فإنه على الأول يجب إكرام من اتّصف بصفة العلم مطلقا فإذا كان شخصان أحدهما لم يزل عنه صفة العلم والآخر زال عنه كان اللازم إكرامهما لاندراجهما تحت ذلك المفهوم الكلي وعلى الثاني لا يجب إكرام من انقضى عنه صفة العلم لأنه خلاف ما وضع له فيحتاج في حمله عليه إلى قرينة وكذا فيما إذا قال زيد كريم أو رأيت كريما فإنه على الأول تكون العبارة مجملة في دلالتها على اتصاف الذات بالمبدأ في الحال أو الماضي كما أن قوله زيد إنسان مجمل في دلالته على كونه إنسانا طويلا أو قصيرا ولا كذلك على الثاني فإنها تكون ظاهرة في الدلالة على اتصافها به وعدم مفارقة الصفة عنها للأولين وجوه الأول أنه قول الأكثر وهو حجة أمّا أنه قول الأكثر فقد عرفته وأما أنه حجة فلإفادته الظن والأصل فيه الحجية الثاني دعوى جماعة إجماع الإمامية والإجماع المنقول بخبر الواحد حجة الثالث صحّة تقسيم الضّارب إلى المتّصف بالضرب في الحال والماضي فتقول ضاربو ولدي على قسمين منهم من هو مشغول بالضرب ومنهم من انقضى عنه الضرب وكذا تقول مضروب ولدي ومعلم أولادي ونحو ذلك وصحّة التقسيم دليل الاشتراك المعنوي الرابع صحّة تقييد نحو الضارب بالقيدين فيقال ضارب أمس وضارب الآن وهو أيضا دليله ولا يقدح قولهم ضارب غدا لقيام القاطع على كونه مجازا الخامس أن نحو الضارب استعمل فيمن انقضى عنه المبدأ وفي من لم ينقض عنه وكان متلبسا به والأصل في اللفظ المستعمل في معنيين يكون بينهما مفهوم كلي قريب أن يكون حقيقة فيه أما الاستعمال فالظاهر أنه متفق عليه بين الفريقين بل قد صرّح بعض بالإجماع على الاستعمال في الماضي وأما إن مقتضى الأصل ذلك فلما سيأتي إن شاء الله وقد يقال عليه بأن الأصل المزبور مسلم فيما إذا علم باستعماله في المفهوم كاستعماله في أفراده وأما مع عدم العلم به فلا يجوز التمسك به سلمنا ولكن إنما يحسن حيث لم يثبت كونه حقيقة في أحدهما بالخصوص وأما معه فلا لدوران الأمر حينئذ بين المجاز والاشتراك قطعا والمختار ترجيح المجاز على الاشتراك حيثما تعارضا كما هو المشهور بين القوم ومحلّ البحث من الشق الأخير للاتفاق الظاهر المصرّح به في كلام كثير على أنه حقيقة في الحال ولذا ذهب جملة من المحققين إلى أن الأصل في مسألة المشتق مع القائلين بالوضع للحال نعم لو قيل بمقالة السيد المرتضى من كون الأصل في الاستعمال الحقيقة اللازم منه ترجيح الاشتراك على المجاز حيثما تعارضا اتجه دعوى كون الأصل مع القائلين بالوضع للماضي وعلى هذا فيبطل ما عدا الوجهين الأولين وقد يجاب بأن الظاهر أن أحدا من الأصوليين لم يذهب إلى الاشتراك اللفظي وإن كان هو المتراءى في بادي النظر من كلمات جماعة منهم كالفاضل البهائي والفاضل الجواد والعضدي والباغنوي والأبهري فإنهم قالوا المشتق استعمل في الأزمنة والأصل يقتضي كونه حقيقة في الاستقبال بالاتفاق ولكن المعلوم من كلام الباقين ما قلناه في التهذيب والنهاية والمبادي استدل على مختاره من كونه حقيقة في الماضي بما يدل على ذلك فإنه قال من انقضى منه الضرب يصدق عليه أنه ضارب لأن المراد من حصل له الضرب وهو قدر مشترك بين الحال والماضي وأنه قابل للقسمة ومورد القسمة مشترك بين أقسامه وقد استند إلى ما ذكره جمع في اختيارهم مذهبه وصرّح السيّد عميد الدين بأن ما ذكره مما احتج به القائلون بكونه حقيقة في الماضي ومما يعضد ما ذكرناه عدم استدلال الأشاعرة بأولوية المجاز على الاشتراك المسلم عند أكثر القائلين بكونه حقيقة في الحال وبالجملة لا إشكال ولا شبهة في أن القائلين بأن المشتق حقيقة في الماضي يريد كونه أحد أفراد المفهوم الكلي الذي هو المعنى الحقيقي ومنه يظهر أن دعوى الاتفاق على كونه حقيقة باعتبار الحال لا يدل على كونه في الحال حقيقة لأن خصوم الأشاعرة من القائلين بكونه حقيقة باعتبار الماضي إنما قصدوا كونه من أفراد الحقيقة لا أن اللفظ موضوع له بالخصوص وكلام الفاضل البهائي وغيره وإن كان مشعرا بذلك إلا أن تنزيله على ما ذكرنا متعيّن قطعا فلا إشكال في هذه الحجة من هذه الجهة نعم يستشكل فيها من وجهين الأول ما أشير إليه سابقا من عدم معلومية الاستعمال في المعنى الأعم الثاني النقص بالمستقبل فيلزم أن يكون حقيقة في القدر المشترك بين الأزمنة وقد يجاب عن الأول بأن في كلام القائلين بكونه حقيقة باعتبار الماضي شهادة بالاستعمال فيها ولا يعارضها مقالة القائلين بأنه حقيقة في الحال فتأمل وعن الثاني بأن مقتضى الأصل وإن كان ذلك إلا أن القاطع دل على أنه مجاز فيه السادس أن جماعة كالعلامة والسيّد عميد الدين والبيضاوي والعبري ادعوا إجماع النحاة على إطلاق اسم الفاعل على المشتق الذي يطلق باعتبار الماضي وليس ذلك إلا باعتبار كونه حقيقة إذ يبعد عادة الاتفاق على الإطلاق المجازي وقد يناقش فيه أولا بأنه لو تم لكان إطلاق المشتق باعتبار المستقبل حقيقة لإجماع النحاة على إطلاق اسم الفاعل عليه